الشيخ الطوسي

98

المبسوط

كانت مبقاة على الأصل . وعندهم إن كانت مسألة اجتهاد استحب له أن يشاور فيها لقوله تعالى : " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله " ولم يرد تعالى المشاورة في أحكام الدين وما يتعلق بالشريعة ، وإنما أراد ما يتعلق بتدبير الحرب ونحوه بلا خلاف ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله غنيا عن مشاورتهم لكن أراد أن يستن به الحاكم بعده ، وقال تعالى " وأمرهم شورى بينهم " وشاور النبي عليه السلام أصحابه في قصة أهل بدر وأساراه وشاور أهل المدينة يوم الخندق وعليه الاجماع عندهم ، وقد قلنا ما عندنا . وعندهم إذا شاور فينبغي أن يشاور الموافق والمخالف من أهل العلم ليذكر كل واحد منهما مذهبه وحجته ، لينكشف الحجاج ، ولا يشاور إلا من كان ثقة أمينا عالما بالكتاب والسنة ، وأقاويل الناس ، ولسان العرب ، والقياس ، فإذا شاورهم في ذلك واجتهد فيها وغلب على ظنه الحكم فيها فذاك فرضه لا يرجع فيه إلى قول غيره وإن كان غيره أعلم منه ، حتى يعلم كعلمه ، لأنه لا يصح أن يلي الحاكم حتى يكون ثقة من أهل الاجتهاد ، فإن لم يكن كذلك لم يكن حاكما ولم ينفذ له حكم ، وكل ما حكم به باطل ، وكذلك لا يجوز أن يقلد ويفتي ، وقد قلنا إن عندنا أنه لا يتولى الحكم إلا من كان عالما بما وليه ، ولا يجوز أن يقلد غيره ولا يستفتيه فيحكم به ، فإن اشتبه عليه بعض الأحكام ذاكر أهل العلم لينبهوه على دليله ، فإذا علم صحته حكم به وإلا فلا . وقال قوم في المفتي مثل ما قلناه وقال في القضاء : يجوز أن يكون عاميا يقلد ويقضي ، فإذا كان من أهل العلم والاجتهاد لم يكن له تقليد غيره عن قوم وقال آخرون له أن يقلد من هو أعلم منه ويعمل بقوله . فأما إذا نزلت بالعالم نازلة يفتقر إلى اجتهاد ، مثل أن خفيت عليه جهة القبلة وقد دخل وقت الصلاة ، نظرت ، فإن كان الوقت واسعا لم يكن له التقليد بل يستدل على جهتها لأنه لا يخاف فوات الحادثة . وإن كان الوقت ضيقا فخاف إن تشاغل بالدلايل والاجتهاد أن تفوته الصلاة قال